أقصد بالصوت الأقوال المنطوقة أو المغناة في مقابل الأقوال المكتوبة، لأن للأقوال المكتوبة لتقرأ وتلك المكتوبة لتنطق نظامين مختلفين تماما".
لقد ولد مع كريغ المفهوم الجمالي لفن مسرحي مستقل، لم يعد قائما على النص، بل على العرض. إن الثورة الثقافية للممارسة المسرحية خلال ثمانينات القرن التاسع عشر ولدت منذ مطلع القرن العشرين أفكارا جديدة عن المسرح؛ أي أفكارا مؤسسة ستحدد بدورها كل التاريخ المسرحي المعاصر وتوجهه.
منذ أن اعترف للمسرح بهذا الموضوع المعقد الذي لا يختزل في النص بل يتضمن أيضا مختلف عناصر تحقيقه المشهدي، فإن الخطاب الذي يضبطه لا يمكن إلا أن يعكس هو نفسه هذا التعقيد، أي أن يكون هو نفسه معقدا ومتعددا. وفي نطاق كون الكل مسرحا: النص، الديكور، الإضاءة، لعب الممثل، جسده وصوته، يجب الكلام عن الكل في نفس الوقت أو بانفصال. في نفس اليوم الذي يمكن فيه "صنع مسرحة من الكل"(1) حتى نستعمل عبارة انطوان فيتز Antoine Vitez يمكن أن نصنع جمالية مسرحية انطلاقا من كل مظاهر المسرح؛ أي أننا نصنع جمالية من الكل. بالموازاة مع ذلك، أصبح الكلام الجمالي المعاد إظهاره ليس فقط شأن المنظرين والكتاب أو الفلاسفة بل كذلك الممارسين Les praticiens وخاصة المخرجين المسرحيين. فحسب جون جاك روبين Jean-Jacques Roubine فإن التفكير النظري حول المسرح هو نفسه واحد من المعايير التي تمكن من تعريف المخرج المسرحي الحديث: "لقد جعلنا من انطوان Antoine أول مخرج مسرحي، بالمعنى الحديث الذي أخذه المصطلح. وهوتأكيد يبرر بكون اسم انطوان Antoine هو أول توقيع احتفظ به تاريخ العرض المسرحي (كما نقول إن مانيت Manet أو سيزان Cézanne هما موقعا لوحاتهما)، ويبرر كذلك بكونه أول من منهج تصوراته ونظر لفن الإخراج. والحال هذه، فإن هذا التفكير، في يومنا هذا، هو المحك الذي يمكن من تمييز المخرج عن القيم"(2).
يمكن أن نضيف أنه أصبح، اليوم، كذلك العديد من المخرجين بيداغوجيي مسرح. ومادام الأمر كذلك، فقد أحسوا بالحاجة إلى التفكير في ممارستهم، في نفس الوقت بالنسبة إليهم أنفسهم وإلى عملهم المسرحي الخاص كما بالنسبة إلى رجال المسرح الآخرين بل خصوصا بالنسبة إلى كل أولئك الذين سبقوهم إلى فن التفكير في المسرح. فهم يملكون هذه الرغبة المشروعة في تأسيس حوار وصدى مع الفضاء المتناصintertextuel الواسع للنظرية المسرحية حتى يموضعوا كلامهم الخاص ويتمكنوا من نقله. هذا ما أكده لويس جوفي Louis Jouvet (1887-1951) عندما صرح في الممثل المفصول عن الجسد Le Comédien désincarné قائلا: "إذا كنت اليوم أحاول التعبير عن ذلك وإتقان الأشياء فليس من أجل إشباع غرور في التفكير كان مقموعا زمنا طويلا. إنها الرغبة الشديدة في التعليم وفي إيجاد مجال للاتفاق مع المفكرين"(3).
انطلاقا من انطوان، تطول اللائحة بأسماء المخرجين المسرحيين الذين يفكرون في ممارستهم الفنية، من ستانيسلافسكي Stanislavski إلى بريشت Brecht، من ارتوArtaud إلى كانطورKantor، من كوبوCopeau إلى فيلارVilar، من ميرهولد Meyerhold إلى فيتزVitez، من سترهليStrehler إلى شيرو Chéreau، ومن بروك Brook إلى ريجي Régy...إن فناني المسرح هم أول المنظرين لأعمالهم في القرن العشرين. إنهم يتساءلون عن فنهم، وعن الأشكال الجديدة المستخدمة، والإنتاج الدرامي، ومعناه، وقيمه، وسياسته. ويحق لهم، أكثر من أي وقت مضى، أن يفكروا في حاضر المسرح ومستقبله انطلاقا من ماضيه وأن يحاولوا جمع هذين المظهرين: النص والمشهد، اللذين غالبا ما فصلا في القرن العشرين، كما لاحظ ذلك انطوان فيتز Antoine Vitez "ليس هناك تفكير حول المسرح، منذ قرن، ولا تعليم للمسرح، لا يتأرجح بين هذين العنصرين اللذين يشكلان كل فننا ويؤسسان تاريخه: النص والفرجة Le spectacle. فإما أن تتم معالجة المسرح باعتباره فعلا أدبيا؛ فتصنيف الأعمال إلى تراجيديات، وكوميديات، ودرامات أو هزليات يحدد أسلوب العرض، ويجيز أو يمنع اختلاط الأشكال ويحكم الذوق، وإما ألا ننظر إلا إلى الأداء والعرض مما يجعل الإضاءة والموسيقى وجسد الممثلين وصوتهم جوهر الكل وأصله. وإذا كانت المدارس القديمة تجنح إلى الأول من هذين الجانبين فإن المدارس الحديثة تميل إلى الثاني. وباستثناء جاك كوبو Jacques Copeau نادرون هم الأساتذة الذين أعطوا حصة متساوية لمعنى الأعمال المكتوبة وللمسرح كما هو"(4). إن صورة انطوان فيتز Antoine Vitez (1930-1990) هي أيضا نموذج لجماليي المسرح الجدد: ممثل، ومخرج، ومترجم وبيداغوجي المسرح ككاتب عدة مؤلفات مجزأة، وملاحظات، ودفاتر، ونصوص برامج، وحوارات، ومقالات أو دراسات يشكل مجملها واحدا من التصورات الكبرى عن المسرح خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
تتجسد الجمالية المسرحية الآن في نصوص متنوعة جدا. ذلك أن التعدد هو القاعدة بالنسبة إلى هذه النقطة كذلك. يكتب المنظرون المحدثون للمسرح مناهج، وبيانات، ومذكرات، وخواطر، وكتابات، وأفكارا، على شكل كل (في بداية القرن) أو مقاطع (فيما بعد). هناك دائما شعريات poétiques هي إما نظريات للنصوص أو تحليلات لإنتاج الأعمال الدرامية. وهناك أيضا جماليات، بعضها معياري والآخر وصفي، لكن أغلبها بلا قيد. وقد ظهرت كذلك، كما هي الحال في المجال الحديث للجمالية العامة، أنماط أخرى للمقاربة: اجتماعية، ونفسية، ولسانية مبنية على تنوع العلوم الإنسانية. فضلا عن ذلك يجب عرض كل الأفكار التجريبية، سواء كانت مجزأة أو غير مجزأة، وكل الدراسات، والملاحظات، وسجلات السفن، والبرامج والحوارات التي تنطلق من رؤية نظرية لمختلف عناصر العرض، دون أن ننسى كل ما يشكل، عبر القرون، خطاب المسرح حول ذاته أي المقاطع، الأكثر أو الأقل طولا، والأكثر أو الأقل تقعيرا mise en abyme التي، داخل مسرحية، يتدخل فيها إعلان ذو نظام نظري حول الفن الدرامي عند شكسبيرShakespeare، أو ماريفو Marivaux أو بيكيت Beckett، على سبيل القصر. كما يمكن كذلك أن تكون دعامة الجمالية المسرحية هي نص المسرح نفسه.
يتعلق الأمر هنا بتعريف متناقض ظاهريا، حديث وتقليدي في نفس الوقت. حديث بما أن بيك دوفوكييغ يعرف الجمالية المسرحية من خارج الجمالية ويجعل موضوعها ليس نص المسرح بل "عرض الأعمال الدرامية". إن ظهور الجمالية المسرحية باعتبارها خطابا مستقلا مرتبط إذن، بولادة الإخراج وبالاعتراف بالبعد المشهدي scénique كعنصر أساس في الفن المسرحي. لكن هذا التعريف في نفس الوقت تقليدي بما أنه معياري ("دراسة المبادئ والقوانين") ويرتكز على معيار الجميل. يمكننا القول إنه يقع أيضا ضمن استمرارية أرسطو والكلاسيكيين من خلال المعيار المزدوج لـ"المثير للعواطف" ولـ"الجميل" وأن الأمر يتعلق بشعرية أرسطية للإخراج.
وقد حصر بيك دو فوكييغ، في "فن الإخراج المسرحي"، رهانات التطور والصعود في تأثير ما يسميه "الفن المسرحي l’art théâtral" (فن الإخراج المسرحي) في مقابل "الفن الدرامي l’art dramatique" (فن الشاعر)، لكنه حاول، عبر سلسلة من القوانين، أن يلجم الإخراج، وأن يضمه في معايير الشرعية التي تصون وحدة intégrité النص وتفوقه، وقيم الدراما القديمة. فـ"ليست غاية الإخراج في ذاته، إذ القضية النهائية بالنسبة إلى الدراما هي قضية شكلية بالنسبة إلى الإخراج"(6). إن تعريف بيك دو فوكييغ، إذا كان يثبت الولادة المزدوجة للإخراج والجمالية المسرحية، فإنه يقدم ذلك بطريقة غريبة ومحدودة: حديثة وفي الوقت نفسه ماضوية.
تستخرج المسألة من الفلسفة إذا كانت الفلسفة تفكيرا في المبادئ الأولى وطبيعة الأشياء"(7).
في كتبه الثلاثة سيحاول إذن، بمساعدة الأدوات التصورية للتفكير الفلسفي، أن يجيب عن هذه المسألة وأن يحدد "المبادئ الأولى" للمسرح وكذا "طبيعته". "فالكتاب الأول، بطبيعة الحال، كان تفكيرا في "جوهر المسرح"، والثاني دراسة للتراجيدي، والدرامي، والعجائبي والكوميدي، التي تعتبر بمثابة دلالات معبرة عن العلاقة الحيوية بين "المسرح والوجود". بقي النظر إلى العمل الذي يخلقه الدراماتورجle dramaturge والذي يعيد خلقه المخرج والممثل بمشاركة المتفرج"(

من جهة أخرى يعرف هنري كوهيي فلسفة المسرح بتمييزها عن عدة مفاهيم خصوصا عن الشعرية وعن الجمالية الدرامية: "هذه، مع ذلك، شيء آخر غير علم نفس الدراماتورج أو الممثل. إنها لا تختلط لا مع فن شعري ولا حتى مع جمالية. فهي تطرح مشاكلها مرة رافضة كل الأبحاث حول تكون الأعمال، وكل النقاشات حول القواعد، وكل جدل حول الجميل: إنها تمسك بالمسرح وتصفه باعتباره جوهرا.غايتها هي طبعا تحديد ما هو جوهري بالنسبة إليه.إن موضوع فلسفة المسرح هو روح هذا الفن مع ما لهذه الكلمة من معنى مزدوج يشمل المبدأ الروحي والنفس الحيوية. إن تعريف ما هو المسرح مع تحديد ما ليس هو، وتحليل بنيته، وقول في أي ظروف يوجد وفي أي ظروف يتخلى عن الوجود، ونقل دلالته للإنسان الذي يريده والذي يبدعه، هو البرنامج"(9).
تتحدد فلسفة المسرح عند هنري كوهيي، وهي تستلهم بيركسون Bergson وجابرييل مارسيل Gabriel Marcel وخصوصا التصور البيركسوني للحدس الجمالي، في منتصف طريق الأصالة والمعاصرة، الجمالية الدرامية والميتافيزيقا، الحتمية والوجودية، الوضعية والتصوف. ورغم أن هنري كوهيي يدافع عن نفسه بكونه يتبنى وجهة نظر أرسطية ("أرسطو المتجاوز")، فإن مقولات التحليل: الفعل، والحبكةّّّّّّ، والوحدة، والتراجيدي، والكوميدي، والشخصيات والأجناس، مقولات كلاسيكية. وعلى العكس فإن المصادرة postulat في الواقع معاصرة وترتكز على معرفة البعد المشهدي للمسرح: "خلق العمل المسرحي ليؤدى. الغاية المقصودة بهذه الكلمة هي انتظار الجمهور، لأن العمل المسرحي لن يكون تماما هو نفسه إلا بحضور هذا الجمهور: "تتأسس فلسفة المسرح على أعمال، ممارسات، جماهير. ويبدأ جوهر المسرح L’Essence du théâtre بأربع شهادات، شهادات أربعة مخرجين من كارطيل Cartel: بيطويف Pitoeff، دولان Dullin، جوفيط Jouvet وباتي Baty. وقد أعطيت الكلمة كذلك في الحال للمنجزين الذين يخطط كل واحد منهم فلسفته الشخصية للمسرح. فلويس جوفيط Louis Jouvet مثلا الذي يحلم بجمالية تختلط فيها الوضعية والتصوف يرى أنه: "عند "إحياء" جمالية درامية قد تُضلنا الكلمة ولا تضلنا البنية. إنها تقول حصرا وتماما ما لديها لتقول. لهذا أحلم أحيانا، على غرار كيفييCuvier، أن أستطيع دراسة الفن المسرحي، في بضعة أيام، انطلاقا من معماريته، وإيجاد الوظيفة الأسخيلوسية eschylienne بناء على هيكل ديونيزوس Dionysos أو ابيدور Epidaure، تلك الوظيفة التي نجدها لدى شكسبير في آثار هذا الحيوان المنقرض الذي اسمه مسرح "الكلوب"، أو لدى موليير من خلال فضاء فرساي حيث قدم عروضه المسرحية. وبإيجاز يمكنني من خلال حجرة، تماما مثل فقرة من هيكل، إقامة الجسد الكبير الحي من ماض غريب"(10).
تشكل كذلك "خلفية التصورات والوثائق" هذه إطارا ضروريا لكل بحث جمالي له صلة "بأصل المسرح، وتكونه، وتطوره، وطبيعته وخصوصيته، أو، مع مواضع محدودة، بعناصره: الريبرتوار، وفن الكوميدي، والموسيقى، والديكور، والإنارة، الخ"(12).
أخيرا يمكن لجمالية الإخراج الوحيدة أن تساهم في إغناء الجمالية نفسها بمواضيع الدراسة وعناصر التوثيق التي تتضمنها سواء تعلق الأمر بالجمالية النفسية، أو الجمالية البنيوية، أو الجمالية المقارنة، أو الجمالية الاجتماعية، بل حتى الجمالية العامة: "يمكن أن تبدو جمالية للإخراج كذلك كـ:
أ- اختبار للأنظمة الجمالية العامة: حدسية، نظريات اللعب، نظريات سوسيولوجية، الخ.
ب- مناسبة لاختبارات ذات طابع منهجي لها صلة باستعمال تحليلات وملاحظات ذاتية وتحقيقات.
ت- أخيرا، مثال ذي امتياز بالنسبة للفن وبالنسبة إلى العلم، للتعاون (...) بين الفنانين ورجال العلم، على المصلحة المشتركة للعلم وللفن"(13).
من الجلي أن جمالية الإخراج يمكن أن تحدث جدلا va-et-vientخصبا بين النظرية والممارسة، الفن والعلم، مع واقعية الممارسة الفنية أي المسرح كأساس ضروري. إن الجمالية الدرامية كما طبقها اندري فينسطان وعرفها هي جمالية من نوع امبريقي، مؤسسة على التجربة وملاحظة الأحداث والوثائق في مقابل كل فكرة جاهزة dogmeوكل مثالية.
يبدو البعد التعاقبي diachronique لهذا التعريف واضحا وهو يعيد الاعتبار لمختلف سمات الجمالية التي اشتغلت داخلها الجمالية المسرحية إلى نهاية القرن التاسع عشر: المظهر المعياري ("صياغة القوانين")، واستيعاب الفن المسرحي في الأدب ("مجموع أكثر اتساعا"، "نظرية الأدب") وإدماجه في "نسق الفنون الجميلة"، والتفكير في الجميل ("نظرية الجميل")، وعلم الفن ("فلسفة المعرفة"). إنه يلمح فقط إلى البعد التزامني synchronique للمفهوم في عبارة "النص والعرض".
نسجل فضلا عن ذلك أن مصطلح "شعرية" استعمل مرادفا لكلمة "جمالية" بالعودة إلى المدخل "شعرية مسرحية Poétique théâtrale" المعرفة في هذا الكتاب. لقد حدد معجم المسرح Dictionnaire du théâtre في طبعته الأولى (1980) الشعرية بالنسبة إلى أرسطو وإلى النموذج الإغريقي كما بالنسبة إلى مختلف "الفنون الشعرية المتمركزة حول المسرح"(15) من الفترة القديمة إلى يومنا هذا. لقد عرفها إما باعتبارها "بحثا معياريا يرسم القواعد من أجل بناء مسرحية ومن أجل عرضها حسب ذوق جمهور معين أو باعتبارها محاولة لتأويل نص أو عرض يحيل على نظرية شعرية معطاة. وفي الطبعة الجديدة لـ 1996، يسترجع باتريس بافيس هذه المميزات المختلفة مؤكدا أن "الشعرية تتجاوز بكثرة المجال المسرحي وتهتم بأجناس أخرى غير المسرح (بالشعر عموما)" وأنه "رغم أن الفن الشعري المطبق في المسرح يتواجه مع أحسن العقول يجب الاعتراف أن افتراضاته المنهجية تبدو لنا اليوم قديمة وبالية أكثر". وفي هذا الإطار يكتب باتريس بافيس أن "الشعرية لم تصبح أقل معيارية ثم وصفية بل بنيوية ولم تستقرئ المسرحيات والعرض كأنساق فنية مستقلة إلا في حوالي نهاية القرن التاسع عشر وخاصة في القرن العشرين..."(16).
وقد طور تعريف الانطلاق الذي يعطيه باتريس بافيس للجمالية المسرحية عبر ثلاث مقولات كبرى:
-الـ"جمالية المعيارية l’esthétique normative" التي تسمع العرض (أو فقط النص الدرامي) في وظيفة معايير الذوق الخاصة بعصر (حتى و إن كانت معممة في نظرية عامة للفنون من قبل الجمالي).
-الـ"جمالية الوصفية (أو البنيوية) l’esthétique descriptive(ou structurale)" التي "تقتصر على وصف الأشكال المسرحية حسب معايير مختلفة".
-"جمالية الإنتاج والتلقي l’esthétique de la production et de la réception" التي "تمكن من إعادة صياغة التفرع الثنائي: معيارية/وصف. حيث تحصي جمالية الإنتاج العوامل التي تحدد اشتغال النص (تحديدات تاريخية، وإيديولوجية وعامة) واشتغال العرض (الظروف المادية للعمل وللعرض ولتقنيات الممثلين)"، في حين أن "جمالية التلقي تتحدد على العكس في الاتجاه الآخر من السلسلة وتستقرئ وجهة نظر المتفرج"(17).
مع هذه الأنواع الثلاثة من الجمالية المسرحية تم إذن، اجتلاء:
-المعاني التقليدية للمفهوم (المظهر المعياري، والتصنيف، ومعيار الذوق).
-العلاقة مع النظريات الأدبية واللسانية (شعرية، وبنيوية، وسيميوطيقة). وفي هذا الإطار يجب أن نتذكر خصوصا أن جمالية التلقي تأسست من أجل الأدب من قبل هانس روبير ياوس سنة 1978 لتحليل التجربة الجمالية للمرسل إليه destinataire والمستجيب répondantو"المحينactualisateur " للعمل الأدبي.
-العلاقة مع باقي الفنون (اشتغال إنتاج العمل الفني).
أخيرا يؤسس باتريس بافيس بعض العلاقات بين الجمالية ومفاهيم قريبة من مثل الدراماتورجية dramaturgie ونظرية المسرح théorie du théâtre. فمن جهة تتقاطع الجمالية والدراماتورجية باعتبارهما "متيقظتين لتمفصل المبادئ الإيديولوجية (رؤية للعالم une vision du monde) وللتقنيات الأدبية والمشهدية"، ومن جهة أخرى تتشابه الجمالية ونظرية المسرح ما دامت نظرية المسرح "مبحثا يهتم بالظواهر المسرحية (النص والعرض)".
3-5-1 تعريف جاك شيررJacques Scherer:
لقد تولد هذا التباين الأساس بواسطة الرابط العضوي الذي يربط الجمالية المسرحية بواقعية موضوعها وبالخاصية المتباينة لهذا الموضوع. إنه في الأخير مرتبط بتاريخ المسرح الذي يتأصل فيه: "تبدو أصالة كل جمالية غيرَ قابلة للاختزال. إن الجمالية المسرحية، إذ ارتبطت بالواقع، تخلت في الحقيقة عن تجاوز حدود التاريخ وأمسكت أكبر قدر من التقنيات أو الإيديولوجيات التي تُرغَم على العمل معها وهي تبحث عن تعريفها الخاص."
إن دورها هو فقط منح "لون"، حتى نستعمل تعبير جاك شيرر، لمختلف مكونات المسرح. وإذا كانت تذهب إلى حد إعطاء معنى أي تأويلات تاريخية، أو أخلاقية أو فلسفية، فإن ذلك "يكون في الإطار الذي ينتظرها فيه الجمهور. وكما أن هناك جمهورا للمسرح يتفاعل جزئيا حسب ما ينتظر من الفرجات والذي تحدد أذواقه (تقريبا) الممارسة الفنية، هناك أيضا جمهور من أجل الفرجة يوجه طلبُه التفكيرَ حول المسرح أو بالأحرى يولده: "إنه ينقل، بوضوح أكثر أو أقل حسب الحالات، لونه الخاص بهندسة المعمار المسرحي، بالدرماتورحية، بالإخراج، بممارسة الكوميدي، بالديكور، بالملابس، بالإنارة وبالمؤثرات السمعية، الخ. في إطار ما ينتظره الجمهور، لا يستطيع إلا أن يدمج مناظر تاريخية، وخلقا، على الأقل ضمنيا بل وميتافيزيقا. إن تأليف كل هذه العناصر اكتسب بالضرورة معنى".
عبر هذا التعريف يترافع إذن، جاك شيرر من أجل اعتدال الجمالية المسرحية. فالجمالية في مادة المسرح دائما جزئية نسبية، وتاريخية ونوعية. إنها لا تستطيع أن تتأسس على أي قاسم مشترك، ولا يجب عليها أن تدعي أي واحد حتى لا تظهر "استلهاما للإمبريالية الثقافية". فشرعيتها لا توجد إلا مجسدة في كل واحد من أنظمتها الثانوية. في هذا الاتجاه يتعلق الأمر بتعريف جدالي وطوعا حصري للجمالية المسرحية ضد كل محاولة شمولية تسعى إلى مماثلة الخطابات.
في مدخل الأنطولوجيا التي نشرها جاك شيرر، مونيك بوري ومارتين دوغوجمون سنة 1982، والموسومة بالجمالية المسرحية: نصوص من أفلاطون إلى بريخت، يتصورون الجمالية المسرحية باعتبارها "تفكيرا حول المشاكل الكبرى للمسرح كما عيشت وعرضت من لدن مبدعين، أو فلاسفة أو كتاب"(19). وهو تفكير يتعلق، من خلال استقبال نصوص أساسية، بالتمهيد لطلبة الدراسات المسرحية لإتمام "تكوينهم التاريخي، والتقني والتطبيقي" .
هذا وبعد ذكر صعوبة "التعريف الدقيق للمجال التي تلمح له دائما النصوص" وكذا الريبة التي يمكن أن يحدثها، بسبب "ادعاءاته المعيارية قديما"، وجود جمالية مسرحية في العصر الحديث، يطالب الكتاب رغم ذلك بضرورتها: "إن عصرنا لم يعد يؤمن بشكل وحيد للجمال كما أعلنت، بمضامين مختلفة، إمبرياليات ثقافية بسيطة بنوع مقبول. لكنه لم يعد يؤمن بإمكانية رفض معنى لمجموعة من العناصر يبدو كل واحد منها اعتباطيا ويكتسب تكوينها مع ذلك بالضرورة بنية جمالية".
يؤسس إذن، جاك شيرر، ومونيك بوري ومارتين دو روجمون تعريفا عمليا للجمالية المسرحية يستطيع رد الاعتبار لاختلاف النصوص:"تستطيع الجمالية أن تظهر باعتبارها الملتقى الذي ستتموضع فيه الإعلانات الصالحة حول أساس الظاهرة المسرحية، بشرط عدم عزلها لا عن التقنيات المتعددة، ولا عن التاريخ، ولا عن الأخلاق، ولا حتى عن الميتافيزيقا".
لقد عرفت كذلك الجمالية المسرحية انطلاقا من مجموع الخطابات التي تشكلها مثل الفضاء التناصي الذي توجد وتشتغل فيه، وهو فضاء مفتوح، تعاقبيا وتزامنيا، على عوالم المسرح والجمالية.
أن نعرف الجمالية المسرحية اليوم هو أن نأخذ بعين الاعتبار، في نفس الوقت، التطور التاريخي للخطاب النظري حول المسرح ولموضوعه منذ الشعريات الأولى للنص الدرامي إلى نظريات العرض في القرن العشرين، وتنوع الخطابات الجمالية المعاصرة. من وجهة نظر تعاقبية، توجد في الواقع عدة تعاريف ممكنة، كل واحد منها صالح بالنظر إلى عصر أو نظام معينين. أما من وجهة نظر تزامنية، فتوجد، على منوال مجموع الجمالية المعاصرة، "جماليات في طور التأسيسesthétiques en chantier " انطلاقا منها يمكن، بدون شك، معلمة معيار مشترك، أي مهيمنةdominante عملية بعيدا عن كل محاولة شمولية. وفي كل مرة تكون التقاربات المؤسسة مع مفاهيم أخرى قريبة أو مرادفة وتمكن من إجلاء التقارب.
أخيرا، إن مختلف تعاريف الجمالية المسرحية منذ قرن تضع في المقدمة مظهرا آخر من مظاهرها أي بعدها السجالي polémique. وكما هو الشأن في مجال الفن والجمالية بصفة عامة، يتم الحديث عن أزمة المسرح الحديث التي تنعكس في جمالية مأزومة لا تتوانى عن الحديث عن الأزمة. فمنذ حوالي قرن، أي منذ ولادة الإخراج وظهور المسرح الحديث، تواتر مفهوم الأزمة داخل الخطاب حول الفن الدرامي. لقد ظهرت فكرة أزمة المسرح تدريجيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وتبلورت مع البحث المجدد للدراما من لدن زولا في ثمانينات القرن التاسع عشر، والمستخدمة من لدن كل مريد لمسرح جديد، الذي بالنسبة إليه كان المسرح القديم في أزمة. إن هذه الظاهرة التي يسميها جون بييغ سارازاك Jean-Pierre Sarrazac "تأزيم الشكل الدرامي" هي التي تحدث، بتنوع أشكالها وبأسبابها، في منعطف القرن ثورة جذرية "لأن هذا التأزيم للشكل الدرامي، الذي حدث في سنوات 1880-1910 بقدر ما انبثق من عوامل خارجية المنشأ (تطور الإخراج، والديكور، واللعب، وكذلك فن الرواية والسينماطوغرافيا) بقدر ما انبثق من عوامل داخلية المنشأ تنشد إلى البنية الداخلية للعمل الدرامي"(20). لقد ولدت هذه الأزمة، التي مازالت بعيدة عن الحل اليوم، الإصلاحات المسرحية للقرن العشرين، والانتقال إلى جمالية حديثة وظهور الدرماتورجيات الجديدة. وخلال القرن لن يتخلى رجال المسرح، سواء تعلق الأمر ببريخت، ارطو، أو فيلار مثلا، عن استخدام رفض مسرح هرم باسم الحداثة. نذكر أن ارطو مثلا يقول: "على كل حال أبادر إلى القول على الفور إن مسرحا يطوع الإخراج والتحقيق، أي كل ما يمثل نوعيته المسرحية، للنص هو مسرح للأبله، للأحمق، للوطي، للنحوي، للبقال، للمعاكس للشاعر وللوضعي، يعني للغرب"(21). لقد نتجت، بدون شك، أغلب متقدمات المسرح المعاصر باسم تجديد البحث الدائم.
يجب، في نفس الوقت، تمييز هذه الأزمة، التي تخص الفن المسرحي وطفراته الحديثة، عن أزمة أخرى للمسرح، أكثر حداثة، ترتبط بأزمة الفن عموما ونهاية أوهامه. في هذا الإطار يبدو كذلك التشخيص المؤسس من لدن يف ميشود Yves Michaud بخصوص أزمة الفن المعاصر قابلا للانطباق على المسرح. يعني أن "الأزمة بعيدة عن أن تكون أزمة ممارسات بل بالأحرى أزمة تمثلاتنا للفن ومكانته في الثقافة" وهذه الأزمة لا تحدد فقط نهاية الفن بل كذلك "نهاية وهم الفن"(22). إننا نعيش بدون شك كذلك نهاية وهم المسرح، نهاية حلم جميل، حلم المسرح الشعبي، المدني، أي المسرح للجميع. إن تمثلاتنا للمسرح ولوظيفته داخل الثقافة وكذا داخل مجتمعنا هي سبب ذلك. هنا أيضا يمكن للجمالية المسرحية، رغم أنها تحت طائلة انحراف وأنها متهمة بعدم القدرة، أن تساعدنا على التفكير في الأزمة.
إن الترادف بين الشعرية والجمالية المسرحية، المستعمل غالبا في الكتابات حول المسرح يوظف:
-عندما يسد النص مسد المسرح، كما هي الحال عند أرسطو مثلا أو في حالة الشعريات الكلاسيكية.
- عندما تستعير نظرية جمالية حول المسرح نفس مناهج النظرية الأدبية (السيميولوجيا، البنيوية)
- عندما تدل الشعرية على دراسة إنتاج الأعمال الدرامية سواء تعلق الأمر بالنص (منذ القدم) أو العرض ( مند نهاية القرن التاسع عشر).
الهوامش والإحالات:
(*) - هذا المقال هو الفصل الثالث من القسم الأول من كتاب: «الجمالية المسرحية L’esthétique théâtrale» لـكاترين نوكريت Catherine Naugrette الصادر عن Nathan/HER سنة 2000.
(**) - كاترين نوكريت أستاذة محاضرة بمعهد الدراسات المسرحية بجامعة باريس 3 – السوربون الجديدة.
(1)-. « Faire théâtre de tout », entretien entre Antoine Vitez et Danièle Sallenave, Digraphe, n 8, avril 1976.
(2) -J.J. Roubine, Théâtre et mise en scène 1880-1980, PUF, p. 20.
(3) -Cité dans Veinstein (1992), p. 7.
(4) -A. Vitez, Ecrits sur le théâtre, l. L’Ecole, P.O.L, 1994, pp. 218-219.
(5) -Becq de Fouquières (1998), pp. 9-10.
(6) -نفسه، ص 95.
(7)- H. Gouhier, L’Essence du théâtre, Plon, 1943, p.
8- H. Gouhier, L’œuvre théâtrale, Flammarion, 1958, p.7.
(9)- H.Gouhier, L’Essence du théâtre, op. cit., pp
(10)-L. Jouvet, « Le théâtre et la scène, l’espace scénique », dans H.Gouhier, L’Essence du théâtre, op.cit., p.
(11)-Veinstein (1993), p. 346
12) -نفسه، ص 348.
(13) -نفسه، ص 350.
(14)-Pavis (1996), p.124
(15)- Première édition, Editions sociales, 1980, voir pp. 299-300.
(16)- Pavis (1996), p.261.
(17) -نفسه، ص 124.
(18) - J. Scherer, « Esthétique théâtrale », Dictionnaire encyclopédique du théâtre, dir. M. Corvin, Larousse-Bordas, 1998, vol. 2 (3 éd.), pp. 598-599.
(19) -Borie, De Rougemont, Scherer (1982), p.7.
(20) -Mise en crise de la forme dramatique 1880-1910. Etudes réunies et présentées par J.-P.Sarrazac, Etudes théâtrales, n 15-16, 1999, p.9.
(21) -A. Artaud, Le Théâtre et son double, Gallimard, « Folio Essais », p.61
(22) -Michaud,
(23) - D.Charles, « Sur quelques nouvelles recherches en esthétique », Esthétiques en chantier, revue d’esthétique, n 24/93, éd. Jean-Michel Place, p.7.
0 التعليقات:
إرسال تعليق