عتمة الموت.. مرايا الخيانة.."حصان الدم".. احتراف الرؤيا بـ"فطنة السينوغرافيا" / حسن عبدالحميد
عتمة الموت.. مرايا الخيانة.."حصان الدم".. احتراف الرؤيا بـ"فطنة السينوغرافيا" / حسن عبدالحميد
مجلة الفنون المسرحية | at الخميس, أبريل 21, 2016
|
مجلة الفنون المسرحية
يرتمي المخرج والسينوغرافي جبار جودي العبودي-طوعاً- في أحضان أبهة الجمال الشكسبيري وفق منطلقات توليديّة لروح نص كبير ومُتحدّ مع بهاء تلك الروح التائقة إلى نبذ صدأ السلطة ولا جدوى اللهاث في نزق الحفاظ على كراسي اللعنة،وعدم الكف عن ترديد صلف عبارة؛(على العُلا حتى ... ولو على الخازوق) والزهو بها،حتى وأن كان خاتمة النهاية قبولاً جائراً بالموت تلّذذاً وتشفيّاً أحمق من حيث تقابلات الحياة في مرآيا الوجود،إذا ما قبلنا بمبدأ(غوته) كما في مسرحيّة(فاوست)من أن؛(الفعل هو بدايةً الوجود) بمعزل عن سطوة النفي لمفاهيم (ديكارت) السابقة حيال تقديم الفكر على مآثر الفعل.
بهذا الإنزياح الفعلي يقيم جبار جودي معاملات إرتباطه العملي في مسرحية(حصان الدم)والتي شاء عرضها ليومين-فقط- في بغداد (9 و10 شباط الماضي) على خشبة المسرح الوطني،تمهيداً وثناءً لعرضها في العاصمة تونس ضمن مهرجان(علي بن عيّاد) المسرحي بمناسبة مرور(400) عام على وفاة(وليم شكسبير)للفترة من 12-19 شباط/2016،حين فوضّ مهام ذلك الإنزياح إلى جماليات تعبيرٍ بارعٍ عبر(السينوغرافيا)وحريّة تعميد الصورة المشهديّة للفعل التجسيدي والبلاغي بينابيع معرفة خصبة،ومراسِ تراكمٍ بث شفراتٍ وتورٍيد علامات مُقترحة كبدائل تحديثية-معاصرة لذات الموضوعة التأريخية التي قام ب(فلترتها) النابغة شكسبير في رائعته(ماكبث)،مستخلصاً إعادة دورة أثر مفعول مسحوق وأكسير التعّطش لدس الخيانة وشرائر القتل والتسبيح بالموت سبيلاً للفوز والطمع والشراهة المُدعمة بالمكر والتخابث،فليس أبلغ من عبارة؛(ليس العبرة في أن تكون ملكاً ... بل العبرةُ أن تكون آمناً) في تثوير لغة الإختصار المُستل- ثقةً ومسعى-من بلاغة المتن الشكسبيري البالغ الكثافة،الوافر المعنى والفائق التأثير،لصالح تطويع جملةً من أفكارٍ وتراكمات تحذيريّة،تتيح إستخدام المُمكن والمحكوم كمداخل وتذكيرات لأصل النص كاملاً في ثنايا الذائقة الجمعيّة والدراسة التبصيريّة لذلك العمل التأريخي المُذهل،وزهو تقابل الرؤية الإحترافية لدى معدُ ومخرج وواضع سينوغرافيا(حصان الدم)،ورهان بلّورة رؤاه و وتحريك جمالياته مع تماثلات مهارة إختيارٍ دقيقٍ وحاذق لمجسدي عرضه التحدثي جملةً وتفصيلاً(أياد الطائي)و(آلأء نجم) إلى جانب تجاذب براعة وحنكة حضور وتنامي ضيوف الشرف(رياض شهيد)و(حيدر منعثر)و(زياد الهلالي)،ومعاضدة عمل الدراما-تورج (د.يوسف رشيد)،بما زاد من متانة العزف على إيقاع الفعل وحفول الحركة بليونة الإنضباط وإتزان الخبرة ونصوع تفهماتهم لجوهر المغامرة التي أقدم عليها جودي في تقليب جمرات وعيه في مواقد الفهم الأمثل للبحث والحفر والإمتثال لمعنى قيمة التجديد والتصدي الخاص لخوالص نصوص عالميّة،كانت قد تعرّضت لعشرات،بل،لمئات المناورات التجريبيّة،فضلاً عن كونها أضحت مثابات ومفتتحات تنظيريّة ومديات فكريّة وملاحم تأريخيّة في عُتق ونشوة التفكير الحيّ والحيوي في حياة المسرح،وفي عموم بلدان العالم.لعل هذا هو ما يشدّ ويثني على مهارة وجودة المغامرة،التي خاض غمارها(جبار جودي)-منذ عدة سنوات-وعاد اليوم ليعيد تشكيل منظومة توليديّة أخرى من رحم ما أستقى منها -من قبل- بغية تجديد ما أستنفد،وما لم يُكتشف بعد،وفق تطلعات ما أستجد من متغيّرات،على ضوء ما يريد ويسعى-الآن- بغية بلوغ أقصى غاياته الفكريّة والعمليّة من حيث إتمام لغة التبصير الجَمالي والنفسي من مسارب الضوء وتناوبات العتمة،ودوران الأرض تحت أقدام الأحداث،وتصدير لغة الدم ممهوراً برائحة وجدارة مساكب تلك الكُتل الضوئية فوق محارب كل هذه الصراعات الدائرة على خشبة العرض المرهون بجلال وجمال تلك الحوارات المُختزلة والدالة لقصديّة تحديث الرؤية وتعميق الدلالة من خلال إفصاحات أبجديات(سينوغرافية)يبرع ويقترحها ويتماوج بها بحثاً ووصولاً في الحصول على تأثيرات بلاغيّة تعاضد جوهر الحدث وتعليلاته التنويريّة في ختام محاولات تمجيد (أناقة الموت)-أن صح الإشتقاق- في نهاية النفق الذي قدّر(جودي)لنفسه وفنه السير في سحر متاهاته،ولذة إغراءاته الجماليّة والبحثيّة،فليس ثمة أدنى تنازل أو تغافل لديه فيما يتعلق بأهمية تقديم الشكل،كنتاج تحديثي مرئي ومسموع من حيث تآزرات الصوت ومؤثراته،والصورة وتجلًياتها،كما لو إنه يتلبس مقولة ذلك الحكيم الصينيّ القديم الذي أفاد بالقول؛من أن المبدع الحقيقي بإمكانه أن يآسر السماء والأرض في قفص الشكل.
-----------------------------------------
المصدر : جريدة المدى
من مواضيعنا المتميزة
-
أولى مسرحيات توفيق الحكيم المسرحية كانت تحمل عنوان " الضيف الثقيل ". ويقول عنها في كتابه سجن العمر ما يلي " … كانـت أ...
-
الأيهام في المسرح//وهو نوع من الأداء التمثيلي يخص الدراما الواقعية والطبيعية على مستوى التمثيل والأخراج وهو يتميز ويتصف بكل مانوهم به ...
-
مجلة الفنون المسرحية تعتبر الأزياء المسرحية من العناصر الفنية الأساسية المكلمة للعرض المسرحي حيث تعيش كل عناصر العرض البصرية في ارتب...
-
مجلة الفنون المسرحية من عرض مسرحية سهرة مع أبي خليل القباني ملخص البحث: لقد استقر مصطلح التنا...
-
مجلة الفنون المسرحية الاتجاهات الإخراجية في المسرح الألماني الحديث الأستاذ المساعد أحمد سلمان عطية الفصل الأول مشكل...
-
يعرفها ارسطو بأنها محاكاة.... فعل تام نبيل لها طول معلوم بلغة مزودة بألوان من التزيين ... تختلف وفقاً لاختلاف الأجزاء وهذه المحاكاة تتم ...
-
كتاب "اعداد الدور المسرحي " تأليف كونسستانتين ستانيسلافسكي يولي المنظر المسرحي الروسي الراحل كونستانتين ستانيسلافسك...
-
مجلة الفنون المسرحية ظهر اتجاه "البنائية Constructivism " فى روسيا عام 1919م ، كنتيجة أو تحول من المستقبلية الإيطالية،...
-
الأنشطة التي نظمتها الهيئة العربية للمسرح منذ التأسيس 10/2007 ولغاية 4/2012 الفهرست · اليوم العربي للمسرح رسالة اليوم ...
-
البير كامو قراءة استعادية لنصوص مسرحية العادلون إنموذجا / سعد عزيز عبد الصاحب كان مخالفا بامتياز ...سابحا ضد التيار برفضه تمجي...
جديد المقالات
-
مجلة الفنون المسرحية "نظريات حديثة في الأداء المسرحي، من "ستنسلافسكي الى بوال" تأليف جان ميلنج وجرهام لي وترجمة إيمان ح...
-
أولى مسرحيات توفيق الحكيم المسرحية كانت تحمل عنوان " الضيف الثقيل ". ويقول عنها في كتابه سجن العمر ما يلي " … كانـت أ...
-
مجلة الفنون المسرحية السيكودراما بين الواقع والخيال السيكودراما (بالإنجليزية: Psychodrama) هوكلمة مركبة من Psychee الروح و Dr...
-
كتابات مسرحية عباس الحايك سادت في الآونة الأخيرة عروض مسرح المونودراما، إذ لا يخلو مهرجان مسرحي على مستوى العالم و العالم العربي...
-
مجلة الفنون المسرحية فاتحة الدراسة “المفهوم” 1- مفتتح : لسنا بصدد تتبع جذور السيميوطيقا في الآداب الأوروبية والعربية القدي...
-
ألف الأديب الروسي الكبيرر (نيقولاي غوغول) مسرحيته الشهيرة "المفتش العام " في سنة 1835م.. وقد عرضت على المسرح الروسي للمرة الأ...
-
مجلة الفنون المسرحية مصادر قاسم محمد المسرحية المؤثـــرات والتــأثــير قد يبدو من الصعب جدا الإحاطة بمساحة جغرافية الإبداع المسرحي...
-
مجلة الفنون المسرحية تعتبر الأزياء المسرحية من العناصر الفنية الأساسية المكلمة للعرض المسرحي حيث تعيش كل عناصر العرض البصرية في ارتب...
-
الكاتب الأردني منصور عمايرة بدايات المسرح الأردني 1914 لا شك بأن المسرح في الأردن، قد تضافرت عليه عدد من الجهود بالدراسة و...
-
الأيهام في المسرح//وهو نوع من الأداء التمثيلي يخص الدراما الواقعية والطبيعية على مستوى التمثيل والأخراج وهو يتميز ويتصف بكل مانوهم به ...
جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة الفنون المسرحية 2016
0 التعليقات:
إرسال تعليق