هارولد بنتر: الغائب الحاضر أبداً
هارولد بنتر: الغائب الحاضر أبداً
مجلة الفنون المسرحية | at السبت, مايو 14, 2016
|
مجلة الفنون المسرحية
لا يمرّ عام دون أن تشهد العاصمة الفرنسية عروضاً لمسرحيات الكاتب البريطاني الراحل هارولد بنتر (1930 ـ 2008)، هو الذي كان زائراً دائماً لباريس، وشبه مقيم فيها، وغالباً ما كان روّاد مسرحياته هنا يحظون بالمصادفة السعيدة في اللقاء به خلال أحد العروض. ومسرحيته الشهيرة «الحارس» من إخراج آن فوتي وتمثيل باتريك ألاغيراتيغي وجان ـ فيليب ماري وجاك روسي، وعرضت مجدداً قبل سنتين على مسرح أكتيون، بعد أن افتُتحت عروضها بالفريق نفسه في السنوات الماضية على مسرح ديشارجور.
وجاء في التعريف بالنصّ: «ذات ليلة شتائية، يقترح الشقيقان ـ الكبير أستون والصغير ميك، وكلاهما أغرب من الآخر ـ على ديفيز، العجوز المتشرد، أن يصبح حارس بيتهما. ما الهدف؟ وهل هما شقيقان حقاً؟ ومن هو ديفيز حقيقة». أما شعار المسرحية فهو لا يقل تشويقاً: «نحن لا نعرف من يتبدى خلف الباب، أليس كذلك؟». المسرحية ترسم عالماً داكناً، لشخوص عزلاء، تتآكل تحت وطأة أشكال شتى من العنف الاجتماعي والاقتصادي والنفسي، وتنتظر معجزة ما، تصنعها واقعة غامضة ما، في زمن منفلت من المنطق، وفي سياقات لا حدود لقسوتها الإنسانية. ولقد شاءت المخرجة تظهير مجتمع بأسره من خلال شبكات التوتر التي تعصف بالشخصوص الثلاثة، والتقطت جيداً تلك الرسائل النقدية، الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، التي يحرص بنتر على تضمينها في مسرحياته.
والأرجح أنّ بنتر كان، ساعة رحيله، أعظم كاتب مسرحيّ حيّ في اللغة الإنكليزية، وأحد كبار أدباء عصرنا؛ ولم يكن غريباً أن يدخل إلى الإنكليزية، وإلى قاموس أكسفورد أيضاً، اصطلاح الـ Pinteresque المنحوت من اسم بنتر، والذي يفيد ذلك المناخ الدرامي الإنساني الخاصّ، المعقد والبسيط، المحليّ والكوني، الفردي والجمعي، الرحب العريض والضيّق حبيس الحجرة الواحدة، في آن معاً. ولم يكن بغير مغزى أن الأكاديمية السويدية توقفت عند هذا النحت مراراً وهي تطري بنتر، حين منحته نوبل الأدب لسنة 2005، بل واستزادت عليه حين نحتت مصطلحاً ثانياً هو «الأرض البنترية» Pinterland، ذات «الطبوغرافية المميزة، حيث تتمترس الشخصيات خلف حوارات مباغتة، وبين سطور تهديدات لا حلّ لها يكون ما نسمعه علامات على كلّ ما لا نسمعه» حسب ما جاء في حيثيات منح الجائزة.
وبالطبع، عُرف بنتر ككاتب مسرحي ردّ المسرح إلى عناصره الأساسية، مثل الفضاء المغلق والحوار الصاعق والأنماط البشرية التي تخلق الدراما الكثيفة حين تتصارع وتتقاطع وتتلاقى وتفترق، ضمن خطوط حبكة في الحدود الدنيا، وتنويع عريض لأساليب مسرح العبث والمسرح الطبيعي والواقعي وتقاليد الفرجة. كما لعب دوراً حاسماً في إغناء مدارس الإخراج المسرحي، وكتابة السيناريو السينمائي والتمثيلية الإذاعية؛ فضلاً عن مواقفه السياسية الشجاعة، وأنشطته في ميادين الحريات العامة وحقوق الإنسان.
ما يجهله كثيرون، في المقابل، هو أنّ بنتر بدأ شاعراً، بل وكانت القصيدة هي أوّل منشوراته، قبل أن ينخرط أكثر فأكثر في الكتابة المسرحية والتمثيل والإخراج. وقصيدته «السنة الجديدة في ميدلاندز» والتي كُتبت في مطالع الصبا، تذكّر كثيراً بمشهد الحانة في قصيدة ت. س. إليوت الشهيرة «الأرض اليباب». وغنيّ عن القول إنّ معظم قصائد تلك المرحلة كانت تعكس مناخاً درامياً واضحاً، وكانت بذلك تنذر بالخيار الرئيسي الذي سيقتفيه هذا الفنّان الكبير: المسرح. وفي تكريم هذا الجانب من إبداعه، يقدّم الممثل البريطاني جوليان ساندز («حقول القتل»، «غرفة تطل على منظر»، «فاتيل»، بين أفلام أخرى)، قراءات من أشعار بنتر، بإخراج الممثل الأمريكي جون مالكوفيتش(«أماكن في القلب»، «في خط النار»، «مملكة الشمس»، «عن فئران ورجال»…)؛ على مسرح جامعة إموري، في أتلانتا، جورجيا، ضمن فعاليات مهرجان مكرّس بأكمله لفنون بنتر.
ولد بنتر سنة 1930 في هاكني، وهي منطقة عمالية صغيرة قرب إيست إند في لندن. وعند اندلاع الحرب العالمية الثانية جرى إخلاء الحيّ، وعاد ثانية إلى لندن وهو في الرابعة عشرة، وسيقول إنه لن ينسى أبداً مشاهد القصف الجويّ التي عاشها، والتي ستجعله مناهضاً للحروب بصفة عامة، وتدفعه إلى رفض أداء الخدمة العسكرية (أشفق القاضي عليه فاكتفى بتغريمه 30 جنيهاً بدل السجن). في عام 1950 بدأ ينشر في مجلة Poetry التي كانت تصدر في لندن، باسم مستعار هو هارولد بنتا. ثمّ عمل ممثلاً ثانوياً في الـ BBC ، وبعد أربع سنوات من التجوال في إرلندا والمسارح الريفية كتب «الحجرة» لصالح جامعة بريستول (وأنهى النصّ في أربعة أيام!)، ثمّ كتب تمثيلية للإذاعة بعنوان «ألم طفيف»، إلى أنّ أنجز أولى مسرحياته الطويلة «حفلة عيد الميلاد»، وتوالت بعدها نصوصه المسرحية الكبيرة التي جعلت منه أحد أعظم مسرحيي هذا العصر. وكان متزوجاً من المؤرخة الشهيرة ليدي أنتونيا فريزر، وظلّ حتى رحيله يعيش بين لندن وباريس.
------------------------------------------
المصدر : القدس العربي
من مواضيعنا المتميزة
-
أولى مسرحيات توفيق الحكيم المسرحية كانت تحمل عنوان " الضيف الثقيل ". ويقول عنها في كتابه سجن العمر ما يلي " … كانـت أ...
-
الأيهام في المسرح//وهو نوع من الأداء التمثيلي يخص الدراما الواقعية والطبيعية على مستوى التمثيل والأخراج وهو يتميز ويتصف بكل مانوهم به ...
-
مجلة الفنون المسرحية تعتبر الأزياء المسرحية من العناصر الفنية الأساسية المكلمة للعرض المسرحي حيث تعيش كل عناصر العرض البصرية في ارتب...
-
مجلة الفنون المسرحية من عرض مسرحية سهرة مع أبي خليل القباني ملخص البحث: لقد استقر مصطلح التنا...
-
مجلة الفنون المسرحية الاتجاهات الإخراجية في المسرح الألماني الحديث الأستاذ المساعد أحمد سلمان عطية الفصل الأول مشكل...
-
يعرفها ارسطو بأنها محاكاة.... فعل تام نبيل لها طول معلوم بلغة مزودة بألوان من التزيين ... تختلف وفقاً لاختلاف الأجزاء وهذه المحاكاة تتم ...
-
كتاب "اعداد الدور المسرحي " تأليف كونسستانتين ستانيسلافسكي يولي المنظر المسرحي الروسي الراحل كونستانتين ستانيسلافسك...
-
مجلة الفنون المسرحية ظهر اتجاه "البنائية Constructivism " فى روسيا عام 1919م ، كنتيجة أو تحول من المستقبلية الإيطالية،...
-
الأنشطة التي نظمتها الهيئة العربية للمسرح منذ التأسيس 10/2007 ولغاية 4/2012 الفهرست · اليوم العربي للمسرح رسالة اليوم ...
-
البير كامو قراءة استعادية لنصوص مسرحية العادلون إنموذجا / سعد عزيز عبد الصاحب كان مخالفا بامتياز ...سابحا ضد التيار برفضه تمجي...
جديد المقالات
-
أولى مسرحيات توفيق الحكيم المسرحية كانت تحمل عنوان " الضيف الثقيل ". ويقول عنها في كتابه سجن العمر ما يلي " … كانـت أ...
-
مجلة الفنون المسرحية "نظريات حديثة في الأداء المسرحي، من "ستنسلافسكي الى بوال" تأليف جان ميلنج وجرهام لي وترجمة إيمان ح...
-
مجلة الفنون المسرحية السيكودراما بين الواقع والخيال السيكودراما (بالإنجليزية: Psychodrama) هوكلمة مركبة من Psychee الروح و Dr...
-
مجلة الفنون المسرحية مشكلة البحث والحاجة اليه تشكل ابعاد الخبرة المسرحية المختلفة جانبا مهما من حياة معظم الناس ، والمسرح احد وسائل...
-
مجلة الفنون المسرحية ملخص البحث ان العرض الدرامي المسرحي تشتغل فيه مجموعة من النظم هي : منظومة المؤلف والمخرج والممثل والاضاءة ...
-
مجلة الفنون المسرحية مصادر قاسم محمد المسرحية المؤثـــرات والتــأثــير قد يبدو من الصعب جدا الإحاطة بمساحة جغرافية الإبداع المسرحي...
-
الكاتب الأردني منصور عمايرة بدايات المسرح الأردني 1914 لا شك بأن المسرح في الأردن، قد تضافرت عليه عدد من الجهود بالدراسة و...
-
كتابات مسرحية أدولف آبيا الملهم الأول في التقنية البصرية للعرض المسرحي محسن النصار اهتم المخرج أدولف آبيا السويسري عبر مسي...
-
إننا نلعب حياتنا في عرض يتجلى للعيان علي خشبة المسرح ، هذا ما نادي به آرتو في المنفستو الأول لمسرح الفريد جارلي، ردا علي الحركة السري...
-
كتاب "اعداد الدور المسرحي " تأليف كونسستانتين ستانيسلافسكي يولي المنظر المسرحي الروسي الراحل كونستانتين ستانيسلافسك...
جميع حقوق النشر محفوظة لمجلة الفنون المسرحية 2016
0 التعليقات:
إرسال تعليق